محمد جمال الدين القاسمي

282

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ولكنهم قوم آثروا الضلال على الهدى ، زاغوا عنه فأزاغ اللّه قلوبهم . فطوى ما دل عليه هذه الجملة ، إيجازا للعلم بها . قال أبو السعود : قُلْ : إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ إضلاله مشيئة تابعة للحكمة الداعية إليها ، أي يخلق فيه الضلال لصرفه اختياره إلى تحصيله ، ويدعه منهمكا فيه ، لعلمه بأنه لا ينجع فيه اللطف ولا ينفعه الإرشاد كمن كان على صفتكم في المكابرة ، والعناد ، والغلوّ في الفساد . فلا سبيل له إلى الاهتداء ، ولو جاءته كل آية . ثم قال : وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ أي : أقبل إلى الحق وتأمل في تضاعيف ما نزل من دلائله الواضحة . وحقيقة الإنابة الدخول في نوبة الخير . وإيثار إيرادها في الصلة على إيراد المشيئة ، كما في الصلة الأولى ، للتنبيه على الداعي إلى الهداية بل إلى مشيئتها ، والإشعار بما دعا إلى المشيئة الأولى المكابرة . وفيه حث للكفرة على الإقلاع عما هم عليه من العتو والعناد . وإيثار صيغة الماضي للإيماء إلى استدعاء الهداية لسابقة الإنابة ، كما أن إيثار صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على استمرار المشيئة حسب استمرار مكابرتهم ، انتهى . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 28 ] الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( 28 ) الَّذِينَ آمَنُوا بدل من مَنْ أَنابَ أي : آمنوا باللّه ورسوله وكتابه وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أي تسكن وتخشى عند ذكره ، وترضى به مولى ونصيرا . والعدول إلى صيغة المضارع لإفادة دوام الاطمئنان واستمراره أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ أي : بذكره دون غيره تسكن القلوب أنسا به ، واعتمادا عليه ، ورجاء منه ؛ وقدر بعضهم مضافا . أي بذكر رحمته ومغفرته ، أو بذكر دلائله الدالة على وحدانيته ؛ ورأى آخرون أن المراد بِذِكْرِ اللَّهِ القرآن ، لأنه يسمى ذكرا ، كما قال تعالى : وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ [ الأنبياء : 50 ] ، وقال سبحانه : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] ، لأنه آية بينة تسكن القلوب وتثبت اليقين فيها . وهذا المعنى يناسب قوله : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ * [ يونس : 20 ] ، أي : هؤلاء ينكرون كونه آية . والمؤمنون يعلمون أنه أعظم آية تطمئن لها قلوبهم ببرد اليقين : قال الشهاب : وهو أنسب الوجوه .